فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ} وكانوا حاجوه في توحيد اللّه ونفى الشركاء عنه منكرين لذلك {وَقَدْ هَدانِ} يعنى إلى التوحيد {وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ} وقد خوفوه أنّ معبوداتهم تصيبه بسوء {إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا} إلا وقت مشيئة ربى شيئًا يخاف، فحذف الوقت، يعنى لا أخاف معبوداتكم في وقت قط، لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلا إذا شاء ربى أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنبا أستوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمنى بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجعلها قادرة على مضرتى {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بى من جهتها {أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز وَكَيْفَ أَخافُ لتخويفكم شيئا مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه وَأنتم لا {تَخافُونَ} ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم باللّه ما لم ينزل باشراكه {سُلْطانًا} أي حجة، لأن الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون علىّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف. ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازًا من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ} يعنى فريقى المشركين والموحدين. ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم. وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس {وَتِلْكَ} إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} إلى قوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ}. ومعنى {آتَيْناها} أرشدناه إليها ووفقناه لها {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ} يعنى في العلم والحكمة. وقرئ بالتنوين {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} الضمير لنوح أو لإبراهيم. {وداوُدَ} عطف على نوحا، أي وهدينا داود {وَمِنْ آبائِهِمْ} في موضع النصب عطفًا على كلا، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم {وَلَوْ أَشْرَكُوا} مع فضلهم وتقدّمهم وما رفع لهم من الدرجات. لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}. {آتَيْناهُمُ الْكِتابَ} يريد الجنس {فَإِنْ يَكْفُرْ بِها} بالكتاب والحكمة والنبوّة. أو بالنبوّة {هؤُلاءِ} يعنى أهل مكة {قَوْمًا} هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، بدليل قوله: {أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ} وبدليل وصل قوله: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ} بما قبله. وقيل: هم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وكل من آمن به. وقيل: كل مؤمن من بنى آدم. وقيل: الملائكة وادّعى الأنصار أنها لهم. وعن مجاهد: هم الفرس. ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. والباء في بِها صلة كافرين. وفي بِكافِرِينَ تأكيد النفي. {فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ} فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلا بهم. وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان باللّه وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ. فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدا. والهاء في {اقْتَدِهْ} للوقف تسقط في الدرج. واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف.

.[سورة الأنعام: آية 91]

{وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)}.
{وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} وما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحى إليهم، وذلك من أعظم رحمته وأجلّ نعمته {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} أو ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين وشدّة بطشه بهم، ولم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوّة. والقائلون هم اليهود، بدليل قراءة من قرأ: {تَجْعَلُونَهُ} بالتاء. وكذلك {تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ} وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فألزموا ما لابد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى عليه السلام، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وأن نعى عليهم سوء جهلهم لكتابهم وتحريفهم، وإبداء بعض وإخفاء بعض فقيل: جاءَ بِهِ مُوسى وهو نور وهدى للناس، حتى غيروه ونقصوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء. وروى أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أنّ اللّه يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود. فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنه أغضبنى، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.
وقيل القائلون قريش وقد ألزموا إنزال التوراة، لأنهم كانوا يسماعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة، وكانوا يقولون لو أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم {وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ} الخطاب لليهود، أي علمتم على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم مما أوحى إليه ما لم تعلموا أنتم، وأنتم حملة التوراة، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وقيل الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم}. {قُلِ اللَّهُ} أي أنزله اللّه، فإنهم لا يقدرون أن ينا كروك {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ} في باطلهم الذي يخوضون فيه، ولا عليك بعد إلزام الحجة.
ويقال لمن كان في عمل لا يجدى عليه: إنما أنت لاعب. و{يَلْعَبُونَ} حال من ذرهم، أو من خوضهم، ويجوز أن يكون {فِي خَوْضِهِمْ} حالا من يلعبون، وأن يكون صلة لهم أو لذرهم.

.[سورة الأنعام: آية 92]

{وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92)}.
{مُبارَكٌ} كثير المنافع والفوائد والتنذير معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب، كأنه قيل: أو أنزلناه للبركات، وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار. وقرئ ولينذر بالياء والتاء. وسميت مكة {أُمَّ الْقُرى} لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنًا لبعض المجاورين:
فمن يلق في بعض القريّات رحله ** فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابى

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} يصدّقون بالعاقبة ويخافونها {يُؤْمِنُونَ} بهذا الكتاب. وذلك أنّ أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وخصّ الصلاة لأنها عماد الدين. ومن حافظ عليها كانت لطفًا في المحافظة على أخواتها.

.[سورة الأنعام: آية 93]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)}.
{افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فزعم أن اللّه بعثه نبيًا {أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} وهو مسيلمة الحنفي الكذاب. أو كذاب صنعاء الأسود العنسي. وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم: «رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يدىّ سوارين من ذهب فكبرا علىّ وأهمانى فأوحى اللّه إلىّ أن انفخهما، فنفختهما فطارا عنى، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العنسي». {وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ} هو عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح القرشي، كان يكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه سميعًا عليما، كتب هو: عليما حكيما. وإذا قال عليما حكيما، كتب: غفورا رحيما. فلما نزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلى آخر الآية، عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان: فقال تبارك اللّه أحسن الخالقين. فقال عليه الصلاة والسلام: «اكتبها فكذلك نزلت»، فشك عبد اللّه وقال: لئن كان محمدًا صادقًا لقد أوحى إلىّ مثل ما أوحى إليه. ولئن كان كاذبًا فلقد قلت كما قال، فارتدّ عن الإسلام ولحق بمكة، ثم رجع مسلمًا قبل فتح مكة. وقيل: هو النضر بن الحرث والمستهزءون {وَلَوْ تَرى} جوابه محذوف، أي رأيت أمرًا عظيما {إِذِ الظَّالِمُونَ} يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فتكون اللام للعهد. ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله. و{غَمَراتِ الْمَوْتِ} شدائده وسكراته، وأصل الغمرة: ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدّة الغالبة {باسِطُوا أَيْدِيهِمْ} يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم. وهذه عبارة عن العنف في السياق، والإلحاح، والتشديد في الإرهاق، من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخر إلىّ مالى عليك الساعة، ولا أريم مكاني، حتى أنزعه من أحداقك. وقيل. معناه باسطو أيديهم عليهم بالعذاب {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} خلصوها من أيدينا، أي لا تقدرون على الخلاص {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يريدوا الوقت الممتدّ المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة. والهون: الهوان الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه {عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تؤمنون بها.

.[سورة الأنعام: آية 94]

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}.
{فُرادى} منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه، وآثرتموه من دنياكم، وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء للّه {كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد {وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ} ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة وَراءَ ظُهُورِكُمْ لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيرًا ولا قدّمتموه لأنفسكم {فِيكُمْ شُرَكاءُ} في استعبادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها للّه شركاء فيهم وفي استعبادهم.
وقرئ: فرادى، بالتنوين. وفراد، مثل ثلاث. وفردي، نحو سكرى: فإن قلت: كما خلقناكم، في أي محل هو؟ قلت: في محل النصب صفة لمصدر جئتمونا، أي مجيئا مثل خلقنا لكم {تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل: ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف، كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم. وفي قراءة عبد اللّه: {لقد تقطع ما بينكم}. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال: {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. وقال أيضًا في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه. وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدرًا من التقدير أي حرره وعرف مقداره. ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله: {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحدًا من الخلائق تكليفًا أصلًا وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضًا جهل.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافيًا في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟ فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج. وأيضًا تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلابد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لاحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شرًا في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف بالبواطن كقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقًا له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} على أن قوله: {تجعلونه قراطيس} بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى. وأيضًا الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟ والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين بالهيود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جاريًا مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى. وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزامًا لهم في قولهم: {ما أنزل الله على بشر من شيء} ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلًا ولأهل الكتاب آخرًا وأما إن كانوا أهل الكتاب- وهو المشهور عند الجمهور- فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلًا سمينًا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود» فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنه ما أنزل عليه من شيء البته فأمر بأن يقول في جوابه {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئًا غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزموا ما لابد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض. وقيل: اللفظ وإن كان مطلقًا بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيرًا من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن قوله: {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} لا يكون مبطلًا لكلام الخصم.